محمد غازي عرابي

912

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

ما دام الإنسان ميتا جهالة وتحققا كما قال سبحانه من قبل : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) ، فالنتيجة أن الأنفس ميتة بذاتها حية باللّه قائمة باللّه فالتوفي دائم لأن من يمد النفس بالحياة يتوفاها أيضا بعد كل نفس ، والأنفاس حية باللّه متوفاة باللّه ، أي أن الجسم آلة ، ميكانيكية لولا اللّه ما عملت ، وهي باللّه تعمل ، ووقودها الوقود الإلهي الذاتي الباطني المسمى الروح . واللّه يتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها ، وهذه هي نفوس العارفين التي حييت بالعلم فقامت من بين موتى الجهل كما أحيا روح اللّه وكلمته المسيح أليعازر الذي كان ميتا ، فالعارفون أحياء ، والناس أموات ، وتوفي اللّه أنفس العارفين التي لم تمت في منامها هو اطلاع أصحابها كشفا وذوقا ومشاهدة على أن اللّه هو الحي ، وأن الإنسان ميت ، فالتوفي نوع من التعليم العالي هو العلم اللدني الذي ينجم عنه توفي أنفس العارفين ، أي قبضها من قبل الحق بالعلم ، ثم ردها إليهم ليتابعوا رحلة العلم باللّه والحياة باللّه وهي الحياة الحقيقية ، وهذا ما عبرت عنه الآية : فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ، أي يمسك أنفس الجاهلين عنده ، ويرسل أنفس العارفين إلى أجسامهم ليقوموا باللّه . . . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( من أراد أن ينظر ميتا يمشي على الأرض فلينظر أبا بكر ) . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 43 إلى 46 ] أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ ( 43 ) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 44 ) وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 45 ) قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 46 ) [ الزمر : 43 ، 46 ] بدهي أن للّه الشفاعة ما دام هو صاحب الأسماء والصفات الفعالة ، وبسبب وسع هذه الشفاعة وشمولها خص اللّه بها نبيه محمدا لأنه أرسل للناس كافة ، وأرسل رحمة للعالمين ، ومن باب الشفاعة دخل ابن عربي حاملا شعار قوله تعالى : ( إن رحمتي سبقت غضبي ) ، فبيّن أن رحمته عامة شاملة . وتبع قوله تعالى : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قوله : لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً وللاتباع لطيفة وهي كون الشفاعة نتيجة كون اللّه مليك السماوات والأرض ، فهو الخافض الرافع ، المذل المعز ، يفعل في ملكه ما يشاء وبعبيده ما يشاء ، أفلا يكون اللّه الملك بعد هذا شفيعا ؟ [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 47 إلى 48 ] وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ( 47 ) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 48 ) [ الزمر : 47 ، 48 ]